عمليات التجميل بين التغيير والتغرير والإصلاح (المجلس الثاني)
أ.د فضل مراد
عمليات التجميل بين التغيير والتغرير والإصلاح
المجلس الثاني (٢)
القسم الثاني : التغرير
قلنا إن العلل التي يقوم عليها باب العمليات التجميلية أربع بالتتبع ، تغييرية، وتغريرية، ومداواة، وزينة،
وبالنظر إلى علة التغرير والتدليس، نجدها ظاهرة في لعن الواصلات، وهن من يصل الشعر بنوع يحصل به علة التحريم ، وإن عرضنا هذا النوع على علل الباب كلها ،نجد التغيير غير متحقق هنا؛ لأنها لم تغير الخلقة ولم تبدلها، والعلاج والمداواة لفظة معلومة، وتنزيلها معلوم، ولا تتقاطع مع التغيير ، بل هي معالجة للانحراف عن الخلقة الأصلية، ولا تتأتى في مسألة الوصل، فلما خلت من التغيير والمعالجة، علمنا أن مقصدا آخر للتحريم واللعن، فتبقى مقصد التغرير والتدليس؛ ولذلك نهي عن الوصل مع أنه ليس تغييرا للخلق، بل قد يكون من جنس الزينة أو المعالجة، لكن لما كان المقصود التغرير والتدليس حرم ذلك؛ لأن الزينة المباحة معلومة، والعلاج للإصلاح معلوم، فإن كان قصده التغرير والتدليس، كمن يريد زواجا حرم.
ولهذا نهى الشرع المرأة التي تريد وصل شعر ابنتها الذي تساقط نتيجة للمرض، ليس لأنه تغيير بل هو من جنس المداواة في الظاهر، لكن لما كان تساقط الشعر فاش بين النساء والرجال خرج من دائرة المرض إلى الطبيعة العادية، فلم يكن لمداواته معنى المداواة الحقيقي.
فتكون المداواة هنا مترددة بين محض الزينة ومحض التدليس، فإن كان للتدليس كما هو حال هذه العروس التي تساقط شعرها بسبب مرضها، لم يأذن لهم النبي في الوصل، بل لعن الواصلات؛ لأن المآل والهدف والباعث هو التغرير على الزوج التي تقدم عليه ، وهذا محرم.
ولأن هذا يؤول لمفاسد الخلاف؛ لأنه سيكشف ذلك عاجلا أم آجلا، ويتسبب هذا في طلاق أو إشكالات ونفور، بخلاف ما لو زفت إليه غير واصلة، فإنه سيظهر له أن التساقط ناتج عن مرض زائل فيسعى هو لعلاجها وإصلاحها
ولهذا ذهب الشافعية إلى أن الوصل للزوج جائز ؛لانتفاء هذه العلة وهي التغرير ؛ولأنها ليست من باب التغيير لخلق الله، فإذا انتفت علة التدليس، نزعت المسألة إلى دائرة الزينة التي أصلها مباح لهذا تنازع العلماء في وصل الشعر نتيجة لهذا النظر في الباعث والمقصد
والمآل.
فنجدهم يجيزونها لزوج، كما هو الصحيح عند الشافعية، وأحمد في رواية، والحنفية على الاطلاق؛ لأن العلة التحريمية عندهم كانت لمعالجة واقع فقط، وهو الوصل بشعر آدمي، أو شعر نجس فلما خلى عن هذه العلة جازت بإطلاق، والمالكية نظروا إلى نفس المعنى تارة، فأباحوا كل وصل ليس تغريرا، وذلك بالحرير أو الشعر الصناعي في زمننا ، وتارة لاحظوا معنى اللفظة وهي الوصل فقط، وعليه فالباروكة عندهم لا بأس بها؛ لأنها وضع لا وصل وعند غيرهم، مبناها على التعليل والمقصد؛ لأنها خارجة من دائرة التغيير إلى دائرة الزينة، فيبقى أن تضبط بخلوها عن التغرير والتدليس، فحاصل الاختلاف في هذه الصورة ناتج عن تحقيق سؤال العلة، هل هو تغيير ؟ أم المقصود لعلة أخرى؟
ونلحظ في هذا الباب كله أن مبناه على فقه معنى اللفظة وتصورها وتنزيلها، وهو الأصل ولا يخرج عنه إلا عند تعذرها؛ لذلك لما تعذر معنى التغيير في وصل الشعر، لجأ العلماء إلى البحث عن معنى آخر، ويعرف هذا المعنى بتتبع واقعة النهي، وهي هنا قصة العروس المذكورة، فإنه يتبين بها تنقيح العلة بجلاء ، كما أن هناك أثرا للمقاصد والدوافع في الحكم ، لكن لما كان في القسم الأول واضحا بينا، لا يحتاج فيه الفقيه إلا إلى تنزيل اللفظة على الوقائع، لم يكن من داع للبحث عن المقصد، والتعليل وتعليق الحكم به ؛ لأن مجرد تحقيق التغيير وتنزيله ، يعتبر تنزيلا للمقصد وعملا به ؛لأن مقصود الشرع حفظ الخلقة من التغيير والعبث والتبديل، وهذا بين واضح، كما أنه يجب الملاحظة أنه لا توجد زينة تغييرية، بل هذا من لبس الحق بالباطل ، فالتغيير محرم والزينة حلال، فلا يمكن الجمع بين اللفظين، كما قد يتوهم من يرى أن الزينة حلال، وهذا من الجمال والزينة؛ لأن علة الزينة لا تجامع علة التغيير، فما كان تغييرا للخلق فلا يكون زينة أبدا.
د .فضل بن مراد
المقرر العام للجنة الإجتهاد والإفتاء بالإتحاد.
