خارطة النظر الفقهي.. حين يكون التأليف صناعةً للمنهج لا جمعاً للمعلومات
د. سالم الشيخي
صاحب الفضيلة الشيخ د سالم الشيخي
مستشار كلية الشريعة بجامعة قطر
وعضو مجلس الإفتاء الأوربي
يتكلم عن كتاب خارطة النظر الفقهي
………………….
(ولهذا فإنّني أرى أنّ هذا الكتاب من أفضل ما أُنتج في هذا العام في مجال الدراسات الفقهيّة والأصوليّة، بل أكاد أجزم – في حدود ما اطلعت عليه – أنّه من أبرز الكتب التي ظهرت في معرض الدوحة الدولي للكتاب، خاصة أنه جاء في أربعة مجلدات كبيرة، لا تعكس مجرد كثافة في الصفحات، بل مشروعًا علميًا متكاملًا في التأصيل وبناء منهج النظر الفقهي المعاصر.)
………
خارطة النظر الفقهي
حين يكون التأليف صناعةً للمنهج لا جمعًا للمعلومات
يسرُّ طالبَ العلم حينًا أن يقتني كتابًا جديدًا، لكن الذي يبعث السرور الحقيقي في النفس هو أن يقع على كتابٍ يشعر معه بأنّ المؤلف لم يكتب ليملأ رفًّا، ولا ليضيف عنوانًا براقًا إلى سوق النشر، وإنّما كتب بعد معاناة علميّة طويلة، وتأمّلٍ عميق، ووعيٍ بحاجات المرحلة وأسئلتها، ومن هذا الباب كان صدور كتاب خارطة النظر الفقهي تأصيلًا وتنزيلًا للصديق العزيز والأخ الحبيب فضيلة الشيخ الدكتور فضل عبد الله مراد – حفظه الله- من الأحداث العلميّة المفرحة في هذا العام.
لقد أصبح المتابع لحركة التأليف المعاصر يلحظ – مع الأسف – تضخّمًا في العناوين، يقابله ضمور في المحتوى؛ عبارات جذّابة، وأغلفة أنيقة، وأسماء لكتب وبحوث توحي بالعمق والتجديد، ثم لا يكاد القارئ يظفر بعد طول المطالعة إلّا بتكرار مألوف أو جمعٍ سطحي لا يضيف إلى المعرفة شيئًا، وهذه أزمة حقيقيّة؛ لأنّ الأمة لا تُبنى بالضجيج العلمي، وإنّما تُبنى بالتحقيق والتأصيل وإحياء مَلَكات النظر والاجتهاد والتجديد.
ومن هنا جاءت قيمة هذا الكتاب؛ إذ لم يسرِ مؤلّفه على طريقة التأليف الأفقي الذي يكتفي بجمع الأقوال وترتيب النقول، بل غاص عموديًا في أعماق المعاني الأصوليّة والفقهيّة، محاولًا رسم خارطة حقيقيّة للنظر الفقهي المعاصر، خارطة تجمع بين النص والواقع، وبين المقاصد الكلّيّة والأدلّة الجزئيّة، وبين الانضباط الأصولي والوعي بالتنزيل.
والحقّ أنّ الكتاب اسمٌ على مسمى؛ فهو ليس عرضًا لمسائل متناثرة، بل محاولة واعية لإعادة بناء منهجيّة النظر الفقهي في زمن اختلطت فيه المفاهيم، وكثرت فيه الدعوات المتناقضة بين إفراطٍ في الجمود، وإفراطٍ في التسيب. فجاء هذا العمل ليؤكد أنّ الفقه الحقيقي لا يقوم إلّا على الجمع بين عمق الفهم للنصوص، ودقّة إدراك الواقع، مع المحافظة على الميزان الأصولي الذي يمنع الانفلات ويهدي إلى الاعتدال.
ومن أكثر ما يلفت النظر في هذا الكتاب أنّه لا يكتفي بالتنظير المجرّد، بل يمتلئ بالتفريعات المنهجيّة والأمثلة المعاصرة التطبيقيّة التي تكشف عن عقليّة فقهيّة ناضجة، خبرت مسالك الاستدلال، وأدركت الفارق بين مجرّد المعرفة بالقواعد، والقدرة على تفعيلها في صناعة الفتوى والاجتهاد المعاصر.
ولعل ما زادني إعجابًا بهذا العمل أنّني كنت منذ سنوات – بعد الانتهاء من مشروع مهارات الاجتهاد المقاصدي – منشغلًا بالعمل على مشروع مهارات الاجتهاد الأصولي أو مهارات صناعة الفتوى والاجتهاد المعاصر، وقد عكفت مدّة طويلة على كتب الأصول الأولى، وفي مقدّمتها المستصفى وغيره من كتب الأمهات؛ لاستخراج المهارات الأصوليّة الكامنة في تلك المصنفات، ومحاولة تحويلها من مادّة نظرية إلى أدوات تدريبيّة عمليّة في صناعة النظر والاجتهاد، لكنّني حين اطلعت على هذا الكتاب وجدت أنّ كثيرًا مما كنت أطمح إلى الوصول إليه قد سبقت إليه هذه الصفحات بوعيٍ ونضجٍ وإحكام.
*ولهذا فإنّني أرى أنّ هذا الكتاب من أفضل ما أُنتج في هذا العام في مجال الدراسات الفقهيّة والأصوليّة، بل أكاد أجزم – في حدود ما اطلعت عليه – أنّه من أبرز الكتب التي ظهرت في معرض الدوحة الدولي للكتاب، خاصة أنه جاء في أربعة مجلدات كبيرة، لا تعكس مجرد كثافة في الصفحات، بل مشروعًا علميًا متكاملًا في التأصيل وبناء منهج النظر الفقهي المعاصر*.
إنّ الأمة اليوم بحاجة ماسّة إلى هذا النوع من الكتب؛ الكتب التي لا تكتفي بإعطاء الأحكام، بل تعلّم كيف يُبنى الحكم، وكيف تتشكل الملكة الفقهيّة، وكيف يتحوّل علم الأصول من محفوظات جامدة إلى مهارات حيّة تقود المجتهد والمفتي والباحث في تعامله مع النوازل والقضايا المعاصرة.
ومن هنا فإنّني أدعو طلبة العلم، والباحثين، والمشتغلين بالفقه وأصوله، إلى المبادرة باقتناء هذا الكتاب وقراءته قراءة دراسة وتأمل، لا قراءة تصفح عابر؛ لأنّهم أمام عمل علميّ متين، كُتب بعقليّة مؤصّلة، وروحٍ منهجيّة، وتجربةٍ علميّة ناضجة، وهو جدير بأن يكون من الكتب المرجعيّة المهمّة في بناء الوعي الفقهي المعاصر.
سالم الشيخي
