Dr.Fadil

الدوحةُ المراديَّة: فاتحةُ الحديث عن خارطة النظر الفقهي  

د. خالد بريه

0

الدوحةُ المراديَّة: فاتحةُ الحديث عن خارطة النظر الفقهي

بقلم: د. خالد بريه

وقَعَ في رُوعي منذ أمدٍ بعيد، وراودني الخاطرُ مرارًا، أن أكتبَ عن امتدادِ الأكابر، الدَّوحة المراديَّة الباسقة: عن فضيلةِ الأستاذ الدكتور فضل عبدالله مراد؛ إذ لم أزل أرى فيه من الاجتهاد ما يأسِر، ومن البراعةِ ما يُبْهِر، ومن السَّبْرِ العميق في العلوم ما تَنْحَسِرُ عنده قَوارِحُ الأذهان، ومن التصدِّي لمسائل العصر ما يشهد بعقلٍ وقَّاد، وتأصيلٍ راسخٍ، وسَيْرٍ على هَدْيِ الكبار الذين تخرَّج في مدارسهم، وسارَ على هَدْيهِم، فهو سليلُ الاجتهاد اليماني الفارع، من أرومةٍ فقهيّةٍ ضاربةٍ في العراقة، ووجهٌ من وجوهه، وصفحةٌ ناصعةٌ من سفره الثرّ.

 

أقول: بقيت هذه الأمنية كامنةً في داخلي، حتى منَّ الله عليَّ بلقاءِ الشَّيخ ليالٍ ذواتِ عددٍ، فسمعتُ منه، وآنستُ بحديثه، ثمَّ خصَّني بلقاءٍ علميٍّ مطوَّل في “خارطةِ النَّظَرِ الفقهي”؛ المنتظمة في سلكِ مشروعه العظيم: “موسوعة معالم الاجتهاد في فقه العصر”. وحين أمدَّ إليَّ بلبابِ الكتاب، وجدتني أسيرًا لخارطةٍ تصلح أن تكون دليلاً لمن رامَ الوصول، وطريقًا لاحبًا لقاصدِ السَّبيل؛ أعني الوصولَ إلى مداركِ الفقه، ومنازلِ الاجتهاد، ومدارج المكنة العالية في التَّأصيل والتَّفريع والاشتقاق، وإظهار مكانة الفقه العبقرية في معالجةِ مشكلات العصر، وقدرته المدهشة على الوقوفِ في وجه المدلهمَّات، ليُثبتَ مكارمَ الشَّريعة وصلاحيتها المطلقة لعمارةِ الأرض حتى يأذنَ الله بزوالها.

 

وكنتُ قبلُ – في شرخِ الشَّباب، وغرَّة البدايات، ولذَّة الاكتشاف الأولى التي لم تُفسدها ألفةٌ ولا تُكدِّرها عادة- قد وقفتُ على مقدمته في فقهِ العصر، فطار بها القلبُ فرحًا، وجعلتُها سُلَّمًا لحاجتي، وذريعةً إلى بغيتي، ووُصلةً إلى مرادي؛ فإنَّها متنٌ يجد القارئ فيه بلاغًا إلى مبتغاه، ويُشرِف منه على عالمٍ فقهيٍّ فسيحٍ، أحكمه مؤلفه بتقييداتٍ وإضاءاتٍ تصدر عن فقيهٍ مشتبكٍ مع أسئلةِ زمانه.

 

ولا أحسبُ – والعلم عند الله – إلا أنَّ المؤلفَ قد نَذَر نفسه للعلمِ نذرًا لا يَقبل النَّقض، فغدا لا يتكلمُ إلا به، ولا يتحرَّكُ إلا فيه، ولا يتنفَّسُ إلا من شقوقه؛ فهو رجلٌ مطبوع، قرمٌ عارِم، وعالمٌ قاحِم، تنفسَّت عنه أرباضُ اليمن الكبير، فخرجَ فذًّا من أفذاذِ أهل التَّحقيق الذين تشرئبُّ إليهم الأعناق، ويحتفي بهم الدَّهر. حتى صار لاسمه في محافلِ العلم دويٌّ يرجع إليه النُّظار، وتثوبُ عنده القرائح، ولذكره طنينٌ يغمر الآذان، ويصيغُ له سمعُ الزَّمان!

 

ولعمري، إنَّ السِّفْر الذي خطَّه سيكون لبنةً أولى في بناء مشروعٍ علميٍّ كبير، فإذا عُرِفَ اليمن قديمًا ببيانِ العلَّامة أبو الحسين يحيى بن أبي الخير العمراني (ت:558)، فسيُعرف اليوم بسفْرِ أبي زكريا. ولقد بلغنا أنَّ كتاب “البيان” لما دخَلَ بغداد، جُعِلَ في أطباقٍ من ذهب، وطيف به مرفوعًا – وكان بخطِّ علوان، وهو من سادة الكُتَّاب – فقال أهل بغداد: ما كنَّّا نظنُّ في اليمن إنسانًا حتى رأينا “البيان” بخطِّ علوان! ولعلَّ الأيَّام تصنع صنيعها فيقال: ما كان “البيان” لعهده، كان “الخارطة” لهذا العهد؛ فذاكَ نهض بزمانه، وهذا ينهضُ بزماننا.

 

وأحسب أنَّ كتابَ الخارطة سيكونُ منارةً لأهلِ اليمن في الأقطار كلِّها؛ يذكر مع البررة من فقهائها قديمًا وحديثًا: من عبد الرزَّاق إلى ابن الوزير، ومن الشَّوكاني والصنعاني وابن المقري والمقبلي والبيحاني والعمراني… حتى تنتهي السلسلة إلى ابن مراد في خارطته الكبرى ومشروعه الفقهي الجليل. ولعمري إنها للحمةٌ شريفةٌ تمتدُّ لكلِّ من اجتهد، وشقَّ طريقه بصلابةٍ وثباتٍ وشغفٍ في التَّحصيلِ والطَّلب.

 

وقد جاءَ تتويجًا لتجرِبة ابن مراد العلمية الطَّويلة، إذ جمَعَ فيه خلاصة آرائه التي رسخت، ورؤيته المتكاملة للمنهجِ الاجتهادي الذي دعا إليه؛ فأودعَ فيه التَّعليل المنطقي للنُّصوص الشَّرعية، وتطبيقات المقارنة والقياس، فجاء بمنهجٍ علميٍّ مُحكم: يبدأ بعرض النَّص، ثم يُبين وجوه دلالته، ويناقشه، ويُجلِّي مسالك الاستدلال به، ثمَّ يخلص إلى الحكم، في بناءٍ فقهيٍّ راسخٍ، لا اعوجاج فيه ولا مطْعَن.

 

وقد بدا لي أنه سِفْرٌ يلوحُ للقارئ من أوَّل وهلةٍ أنه بُني لبقاءِ الدَّهر، ووُضِعَ على أُسِّ مشروعٍ علميٍّ مُحكَم، تُسافر فيه العقول، وتمعنُ فيه الأنظار، ويشيد به النُّظَّار، وتُقاد إليه الفِطَر قودًا، إذ هو خارطةُ النَّظر الفقهيِّ، ودليلُ السَّالك إلى ملكةِ الاجتهاد، ومنارٌ يُهتدى به في ظلماتِ النَّوازل المتراكمة، وحوادث الزَّمان المتلاحقة.

 

فما من بابٍ من أبوابِ العلم إلا فتَحَ له المؤلفُ بابًا، ولا من مبحثٍ إلا جعلَ له طريقًا، ولا من سؤالٍ فقهيٍّ إلا حاكمه إلى سبعة أسئلةٍ كُبرى جَعَلها كالْمِسْطرة التي يُقاسُ بها الفقه قياسًا، ويُوزَن بها النَّظَر وزنًا: سؤال الماهية، وسؤال التَّحديات، وسؤال الهدف، ثمَّ أسئلةُ التصوُّر، والثُّبوت، والدَّلالة، والتَّعارض والموازنات، والتَّنزيل، والإنتاج. فكان الكتابُ كتابًا في المنهج، كما كان كتابًا في الفقه؛ وكانَ بيانًا في صناعةِ العالم قبل أن يكونَ بيانًا في صناعةِ الفتوى.

 

فهذا الكتاب على كثرة أبوابه، وشسوع مسائله، وتعدد فنونه، إن قلتَ موسوعة فقهية، فقد أنصفت، وإن قلت: “منهجٌ لإنتاج الفقيه”، وتجرِبةُ فقيهٍ حاذق، ومدرسةٌ لبناء النَّاظر، وميزانٌ تتقوَّمُ به فتاوى العصر، وسراجٌ يبدِّد ظلمات الفوضى الفقهية التي عمت في زماننا؛ لم تَجُرْ عليه. هو أشبه شيءٍ بـ “جامعِ النَّظَر” و“ديوان الاجتهاد” و“مرآة العلوم الشَّرعية” في عصرٍ تفرقت فيه المناهج، وتشتَّتت فيه الأفهام.

 

ولا أراني – والعهدة على بصيرةِ القلب – إلا قد أطلتُ الحديث؛ فما ذاكَ إلا أنِّي وجدتني مأخوذًا بما أبدعه المؤلِّف، مفتونًا بما نسجه يراعُه. وقد آنَ أن يبزغ الفقهُ اليمانيُّ في أفقه الواسع، موصوفًا بما وصفه به أعلمُ الخلقِ ﷺ: «الإيمانُ يَمانٌ، والحِكمةُ يَمانيّةٌ». وآنَ للشَّخصيَّةِ اليمنيَّةِ أن تبرحَ ضيقَ الدائرة إلى رَحابةِ الميادين، وأن تُعرِّفَ العالَمَ بما عندها؛ فإنَّ القومَ قد أَلِفوا الانكفاءَ على ذواتهم، وآثروا الخمولَ تواضعًا، والزُّهدَ في الظهور ديدنًا. ولعلَّ كتابَ فقيهِنا ابنِ مرادٍ يكونُ سفيرَ الفقهِ اليماني إلى الآفاق، وعلَمًا يُرفرف على ربوعِ المعمورة. ولا أراه إلا قد بلغَ منزلتَه بما بذلَ من جهدٍ، وأفرغ من صبرٍ، وانكبَّ عليه من ليلٍ ونهارٍ، حتى استوى له هذا المُصَنَّفُ على سوقه، يُعجِبُ أُولِي النَّظر، ويُبهِجُ أربابَ الفِقه والتحقيق.

د. خالد بريه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.