Dr.Fadil

الكفار بالحديث لهم طريقان لا ثالث لهما

أ.د فضل مراد

0

 

– الطريق الأول: أنهم مكذبون به حتى لو سمعوه مباشرة من رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فهؤلاء يقال لهم: الحديث الذي سمعته من رسول الله مباشرة من تحليل وتحريم هل هو بإذن الله أم افتراء على الله ما لم يأذن به؟

 

احتمالان لا ثالث لهما: فإن قال: هو بإذن الله فقد نسف كل زندقته، وإن قال القول الآخر وهو: “أن حديث الرسول ولو سمعته منه مباشرة لا أؤمن به؛ لأنه ليس بدين من عند الله، ولم يأذن به الله، وعليه: فهو افتراء على الله في التحليل والتحريم والتشريع .. فقد أظهر كفره، وجعل رسول الله -والعياذ بالله- مفتريًا على الله الكذب، ومعلوم أن هذا من أكبر الجرائم وكفر بالله لقوله تعالى: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ) وقال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ)

وبيّن أن من فعل ذلك فهو من أهل النار: ( ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يَفْلَحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ).

 

فعلى قوله هذا يكون رسول الله -وحاشاه- من أهل النار؛ لافترائه في دين الله ما ليس منه.

 

– ثانيًا: يلزم منه أن الله أقر رسوله صلوات الله عليه، على التحليل والتحريم بما لم يأذن الله به وبما ليس من الدين، وهذا من أبطل الباطل، بل لو اعتقده أحد أو قاله لكفر بالله.

 

– ثالثًا: إذا احتمل أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حلل وحرّم وشرّع في حديثه ما لم يأذن به الله لزم الطعن كذلك في القرآن؛ لأن من احتمل كذبه في قوله: أن الحديث دين الله فكيف يوثق بقوله إن القرآن دين الله ولم يصلنا إلا عن طريق رجل يكذب على الله في الآحاديث قولاً وفعلاً بجعلها من الدين وليست كذلك؟! فهو إمّا صادق فيهما أو كاذب والعياذ بالله.

 

– رابعاً: لو احتمل أنه في أقواله وأفعاله حلّل وحرّم وشرّع ما لم يأذن به الله لسقطت الحجّة على الخلق، ولما لزمهم الإيمان أصلاً؛ لأن الإيمان هو التصديق، وهذا التصديق، إنما يكون بخبر الصادق، وهذا الرجل قد حلل وحرم بأقواله في دين الله وليس من دين الله، فسقط صدقه وبطلت حجيته. فمن قال بهذا فلا أشك -ذرة- في أن قوله ردة عن الإسلام إلى دين شخصي من عنده .. ولا يلزم من هذا إباحة دمه؛ لأن هذا شأن القضاء فلا يجوز لأحد إباحة دم أحد بالتعيين أبداً ولا يجوز ذلك إلا للقضاء العادل.

 

 

• الطريق الثاني: من يؤمنون بالسنة وهؤلاء ثلاثة أصناف:-

 

1- فمؤمنون بحجيّة السنّة وما قاله صلى الله عليه وسلم وما فعله، لكن عندهم إشكاليّة جعلتهم يقولون: لا نقبل إلا ما كان قطعياً لا ظنياً، وهذا الصنف من الناس يحمل فهماً هو نفسه ظني ولا يشعر، وهي غفلة شديدة فيلزمهم إما القول: “إن فهمهم قطعي أو ظني” … وهم لا يقولون أبداً إن فهم قطعي، فما بقي إلا الظن وهو محل “النقاش” فهم ينكرون الاستدلال بالظن وهم أنفسهم يعملون بفهم ظني .. ولو ادعوا أن فهمهم قطعي لكان هذا من أبطل الباطل لوجهين:

 

– الأول: أن الفهم القطعي لا يُبنىٰ إلّا على مقدمات قطعيّة من دليل قطعي الدّلالة فهاتوا لنا نصاً قطعي الدلالة على أنه لا يقبل من الدين إلا ما كان قطعاً؟ وهذا النص غير موجود.!

 

– الثاني: أن القطعي المتعلق بالتكليف لا ينفرد واحد بفهمه ويخالفه الناس؛ لأنه لو كان كذلك لما كان قطعياً .. بل يدل على أن قائل هذا يجهل معنى القطعي … فنقول له: “القطعي هو: كقوله تعالى: (فَلأُمِّهِ السُّدُسُ) قطعي الدّلالة لا يحتمل النصف ولا الربع، بل هو عدد محدد تستوي في فهم دلالته العقول فينبني عليه نتيجة قطعية لدى الجميع .. فهذا هو القطعي الدلالة.

 

فتبيّن من هذا أن هذا النوع لا عندهم فهم قطعي ولا دليل دلاته قطعية فقولهم: “لا يقبل في الدين إلا القطعي”، يلزم منه رد فهمهم ورد دليلهم؛ لأن كليهما ليس قطعاً فهم يقولون ما يبطل قول أنفسهم بأنفسهم.

 

2- من كان عنده في حديث معيّن شبهة تعارض ومعلوم أنّ التعارض لا يكون إلّا نتيجة مبنيّة على التصديق بالحجيتين المتعارضتين، فهذا دليل على أن هذا حجّة، وهذا حجّة هذا دين وهذا دين، وإلا فلا تعارض أصلاً إن كان بين ماهو حجة وبين ما ليس بحجة، بين ما هو دين وما ليس بدين، وعلى هذا فالصنف هذا يكون الجواب حل شبهته ببيان أنه لا تعارض وسيرجع إن كان صادقًا فإن كان كاذباً فادعاؤه التعارض كذب؛ لأنه أصلاً مكذب بأن هذا حجّة وهذا حجّة فلا تعارض أصلاً وستجده ينتقل معك من مسألة إلى مسألة من باب التهويش والتضليل والتشغيب.

 

3- وهو نوع من الثالث وهم من يدّعون المعارضة بالعقل فالجواب: هل يخالف العقل الصريح المجمع عليه بين العقلاء أم لا ؟! ولا يمكن أن يقول: أنه يخالف العقل الصريح المجمع عليه؛ لأن ما يخالف العقل الصريح المجمع عليه بين العقلاء يجب أن يكون محل اتفاق؛ لأن العقليات الصريحة لا يختلف فيها، فعلمنا أن المقصود عقله وفهمه ومثله، وهذه ليست معارضة عقليّة حقيقيّة، بل مجرد استغراب شخصي؛ نتج عن فهم أعوج، نتج عن شهوة نفسية وقلة بصيرة وعلم.

 

وجوابه هذا أن يساق له من القرآن ما هو أعظم ممّا يستغربه عقله في الحديث، وهي كثيرة جداً فإن كذّب بها كذّب بالقرآن، فقد أخبر الله بأن الذي عنده علم من الكتاب جاء بعرش ملكة سبأ في طرفة عين فكيف حمله وكيف قطع المسافة وكيف أخرجه؟! فيلزم من يكذب بعض السنة لعدم دخولها عقله أن يكذب بهذا ولو جاء هذا في السنة لكفر به ومنها انفلاق البحر بالعصا، ومنها (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) فقد خيل السحر لموسى، فلما جاء في البخاري يخيّل إليه أنه يفعل قالوا مناقض للعقل! ومنها إحياء عيسى ابن مريم الموتى بإذن الله ونفخه في الطين يكون طيراً بإذن الله، فهذه لو وردت في السنة لكذبها معتوه فها هي في القرآن، ومنها نوم أهل الكهف “309” من السنين وهذه أمثلة فقط وكلها لو جاءت في السنة فعلى ميزان هذا المسكين الممتلئ جهالة لردّها لعدم موافقتها عقله.!

 

فالمسألة إما ميزان بمنهجية صحيحة وإيمان بخبر الله ورسوله أو رد للقرآن والسنن بالحكم الشخصي والهوى.

 

أ.د. فضل مراد

أمين لجنة الاجتهاد والفتوى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

أستاذ الفقه والقضايا المعاصرة بجامعة قطر

Leave A Reply

Your email address will not be published.