زكاة الفطر.. كم تخرج وهل تخرج بالقيمة
أ.د فضل مراد
حققنا ذلك في كتابنا فقه الصيام ومستجداته المعاصرة «فقه الصيام ومستجداته المعاصرة» (ص341):
وحاصل ما فيه:
قولنا:
أما مقدار الإخراج فهو صاع بالنص، وهو أربعة أمداد بمد الرجل المعتدل، وقد أراد علماء العصر موازنته بالمكاييل فاختلفوا اختلافًا بينًا، فمنهم من قال ثلاثة كيلو، ومنهم من قال اثنان ومئتا جرام، ومنهم من قال اثنان ونصف.
والسبب في هذا أن المكاييل تختلف وزنا، فإن القطن لو وضعناه كيلًا مثلًا لما ساوى ما يذكر وزنا، ويختلف التمر مع الشعير في الوزن لا في الكيل.
فهذه المكيلات ضبطها بالكيل والأمداد أدق.
أما ماذا يخرج فلم يذهب إمام من الأئمة الأربعة إلى الاقتصار على المنصوص؛ بل منهم من قال هو خاص علته القوت.»
لكن منهم من حصر القوت في أمور بعينها كمالك، وكأنه نظر للعرف في زمنه.
ووسع الشافعي وأحمد فقالا بقوت البلد.
أما الحنفية فعملوا بالمعنى والمقصود فعادلوها معادلة أخرى هي القيمة.
وإخراج الزكاة بالقيمة جرى بين الصحابة، حيث ورد عن معادلة نصف صاع من البر بصاع تام من الشعير، كما في حديث أبي سعيد في الصحيحين، وعمل بهذا الصحابة كما يفيده هذا الحديث سوى خلاف أبي سعيد الخدري وابن عمر
قال الحافظ «روى جعفر الفريابي في كتاب صدقة الفطر أن بن عباس لما كان أمير البصرة أمرهم بإخراج زكاة الفطر وبين لهم أنها صاع من تمر إلى أن قال أو نصف صاع من بر قال فلما جاء علي ورأى رخص أسعارهم قال اجعلوها صاعا من كل فدل على أنه كان ينظر إلى القيمة»،
وتتابع العمل به إلى زمن معاوية.
ونقل الحافظ كلام ابن المنذر فقال: «وقال بن المنذر أيضا لا نعلم في القمح خبرا ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه ولم يكن البر بالمدينة ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير وهم الأئمة فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم
ثم أسند عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وبن عباس وبن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفطرة نصف صاع من قمح انتهى»
وهذا ما عمله عمر بن عبد العزيز كما في المصنف حدثنا أبو أسامة،
عن ابن عون، قال: سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز يقرأ إلى عدي بالبصرة «يؤخذ من أهل الديوان من أعطياتهم، عن كل إنسان نصف درهم.
حدثنا وكيع، عن قرة، قال: جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز في صدقة الفطر «نصف صاع عن كل إنسان أو قيمته نصف درهم»»
قلت أسانيدها صحيحة
، وما نقله السبيعي عن الصحابة
ففي المصنف حدثنا أبو أسامة، عن زهير، قال: سمعت أبا إسحاق، يقول: «أدركتهم وهم يعطون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام»
وسنده صحيح وقد أدرك السبيعي أبو إسحاق آخر زمن عثمان
«سمع من ثمانية وثلاثين صحابيا»
ونقله الزهري عن عمل الأئمة قال ابن زنجويه أخبرنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني يونس، عن ابن شهاب قال: «أخذت الأئمة في الديوان زكاة الفطر في أعطياتهم»
قال أبو زكريا فضل مراد هذا سند صحيح
واختاره ابن زنجويه قائلا: القيمة تجزي في الطعام إن شاء الله، والطعام أفضل.
وجاء عن كبار الأئمة من التابعين.
عن الحسن، قال: «لا بأس أن تعطي الدراهم في صدقة الفطر.
وقال بن رشيد وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم لكن قاده إلى ذلك الدليل
ومن الأئمة الحنفية ورواية عن الإمام أحمد ومن فقهاء المذاهب الأوزاعي، ومن الشافعية الرملي ومن المالكية أشهب وأصبغ،، واختيار ابن تيمية الجواز
عند الحاجة في إخراج القيمة في الزكاة قال «وأما إذا أعطاه القيمة ففيه نزاع: هل يجوز مطلقا؟ أو لا يجوز مطلقا؟ أو يجوز في بعض الصور للحاجة أو المصلحة الراجحة؟ على ثلاثة أقوال – في مذهب أحمد وغيره وهذا القول أعدل الأقوال».
وهو اختيار شيخنا العمراني: قال «إذا كانت المصلحة تقتضي إخراجها
فلوسًا فتخرج فلوسًا، ويلاحظ مصلحة الفقراء فإن كان الفقير يريد شراء علاج لأولاده أو مستلزمات دراسة أولاده أو نحوها فلا مانع من أن تسلم له فلوسًا»
واختاره شيخنا القرضاوي.
والحاصل أنه ليس في الحديث الذي نص على الأصناف الأربعة حصر ولم يفهم ذلك الصحابة؛ بل عادلوا وقاسوا ما لم ينص.
وليس في دلالة النص حصر إنما فيه أن هذه الأمور تخرج في الفطرة، فإن ساوها مثلها في النفع فالشريعة لا تخالف بين المتساويين في الأحكام؛ بل تجمع بينهم.
وهذا ما جعل سائر المذاهب سوى ابن حزم لا تلتزم حصرا على الأصناف المنصوصة بل قالوا المعتبر القوت الغالب، وهذا قياس وتقييم لا شك فيه، وهو الذي حدا بمن ذكرنا إلى القول بالمعادلة بالقيمة وإخراجها.
فإن قال قائل فما فائدة ذكر هذه الأصناف إذن.
فالجواب للتنبيه عليها وعلى ما في معناها؛ لأن هذا الدين عالمي والأقوات تختلف والمصالح تختلف من بلد لبلد، يعضد هذا النص على المقصود الشرعي لعلة زكاة الفطرة وهي طعمة للمساكين.
فهذا بيان جلي للهدف الشرعي من هذا التكليف فكل ما حقق هذا المقصود فهو معتبر.
والله أعلم:
