Dr.Fadil

قاتل يكتب برقية عزاء

أ.د فضل مراد

0

 

(وَكَانَ فِي المدينة تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرض وَلاَ يُصْلِحُونَ قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بالله لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ).

 

إن النص يبين مشهداً بالغ الدناءة والخطورة، هاهم يتعاهدون على التصفية، وفي نفس الوقت يرتبون برقية العزاء بألفاظها (مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ).

 

إن برقية العزاء والمواساة كتبت في نفس الوقت، ونفس المكان الذي حصل فيه ترتيب العملية، إنها نفس العقليات ونفس الأساليب والأفكار، حتى الأسى في برقية المواساة.

 

يا له من مكر مكرور! لكن هل تتم لهم الفرحة؟ هل سينجح هؤلاء التسعة الذين لم يسجل القرآن أسماءهم؟؛ لأن الغرض تسجيل موقف وثائقي لخلية نخبوية تصوغ عزاء وتنديداً وأسى، .. أسى من القاتل!!

ثم لاحظوا معي في النص، إن الاغتيال مخطط للشخصية مع أهله جميعاً، لم يراعوا حرمة الأطفال ولا النساء ولا البيت، سينفذون عملية تصفوية ليلية إلى داخل البيت، ثم وفي مجمع العزاء يعلنون لولي الفقيد أحر التعازي ( مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْأجمعين).

 

إننا الآن نعرف حقيقة من خلال هذا النصر من يدير القلق والمخاوف والاغتيالات والتقطعات، إنهم نخبة متصارعة على السلطة والمال والقوة والنفوذ، وإذا واجهها مصلح كائنا من كان، حتى لو كان نبيا رسولا كما هو الحال في هؤلاء الرهط فسيعقدون اجتماعا طارئاً مغلقاً وسيتخذون قراراً سيحددون المكان والزمان وسيغتالون في الظلام كما يفيد لفظ (لنبيتنه)، لكن كيف يواجهون الرأي العام؟ كيف يواجهون أولياء الدم؟ إذا فليعدوا برقية عزاء ومواساة مسبقة، وبيان تنديد، بل ربما اختلاق ظرف ما، يدل على عدم شهودهم هذه الفاجعة “ما شهدنا مهلك أهله”، لقد اكتملت مفردات الخطة، وتعاهدوا بينهم على الإيفاء بها، خوفا من غدر بعضهم بعض، لأن علاقتهم الهوجاء الجوفاء! قائمة على التآمر والغدر حتى على بعضهم البعض. إذاً فليكن عهد الله بينهم على تنفيذ مفردات الخطة.

لكن حصلت المفاجأة، كان هناك تقدير وتقرير وإبرام في الملأ الأعلى، تصبح بهم قبل أن يتغدوا بالمصلح وأهله.

وهكذا كل نموذج لهذه العصبة الغادرة ستنتهي بتقدير إلهي نحن ننتظره جميعا، ولن يوقفنا رهط أو مجموعة أو نخبة، مهما اجتمعوا، مهما أقصوا، مهما رهنوا البلاد للآخر مقابل الفتات، مهما عطلوا خيراتها وثرواتها الكبيرة، باتفاقات الرهط السرية، سيندمون ولات حين مناص.

 

أ.د. فضل مراد

أمين لجنة الاجتهاد والفتوى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

أستاذ الفقه والقضايا المعاصرة بجامعة قطر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.