الراجح عموم الرؤية للأمة.
أ.د. فضل عبد الله مراد
الأمين العام المساعد للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
خلاصة الفتوى
الراجح عموم الرؤية للأمة
ومع رجحان القول بعموم الرؤية للأمة
يجوز لمن كان في دولة خالفت أن يتبعها دفعا للفرقة
ولمن في الصين وأروبا متابعة قرارات المركز الإسلامي هناك
فإن لم يوجد أو اختلفوا فعلى من في أوربا العمل بأقرب البلاد الإسلامية لهم من الذين تحروا الرؤية
والله المستعان.
التفصيل
…..
جاء في الصحيح
(صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)
فهذه التكليف عام للأمة جميعا مشرقا ومغربا
يقوم به البعض عن الكل ضرورة
لتعذر رؤية جميع الأمة ..
إذ لو علق الصيام برؤية كل شخص في الأمة لبطلت الفريضة لعدم إمكان ذلك
فعلق الشرع الصوم برؤية الهلال من البعض بواحد واحد أو اثنين اثنين أو واحد واثنين على خلاف مبنى على دلالة الأحاديث في الباب التي تنوعت على هذا المهيع فتنوعت بها المذاهب جمعا وترجيحا
ولكن لما كان الشرع معلقا بالاستطاعة وهذا من محاسنه العظيمة
قام الفقهاء في حدود استطاعتهم التكليفية بتنزيل هذه النصوص العامة على واقعهم زمن الأئمة الأربعة والظاهرية ومن قبلهم
فاختلف تنزيل العموم ولم يختلف دليل العموم
لأن القول بالعموم مختلف عن تنزيل العموم
فإن الأول خاضع للألفاظ والثاني خاضع للكلي الحاكم على الشرع وهو قوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم )
(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها )
فعند التنزيل تختلف الأنظار لاختلاف محددات التنزيل وهي عشرة حسب تتبعي الشخصي ذكرتها في مقال سابق
لهذا نجد لمالك قولين في المسألة فمرة قال بالتعميم ومرة بعدمه والمعتمد عند أصحابه من المتأخرين زمن خليل ومن بعده التعميم.
وليس للشافعي قول في كتبه ومن قال عنه فقد أخطأ
وقد راجعتها كثيرا حسب طاقتي ولم أجد ولهذا اضطر أصحابنا من أصحاب الأوجه أن يخرجوا أو يجتهدوا
إذ ليس كل وجه يلزم أنه مخرج على أصول الشافعي بل منها ما ليس على أصوله كما نص عليه النووي في مقدمة المجموع وغيره كالخطيب والرملي.
وقد أحصى بعض الباحثين نسبة ما في المنهاج عمدة المذهب من المسائل عن الشافعي فبلغت نسبتها ٣٢٪ وبلغ ما كان من أصحابه أهل الأوجه ٦٨٪ (بحث محكم منشور ج العراق د احمد صالح )
وهذا يدل على عظيم الاجتهاد في مذهب الشافعي
حيث يشكل هذا مدرسة جماعية.
وفي القرن الخامس انتهى أصحاب الأوجه من الشافعية المجتهدين في النظر والاستدلا من الكتاب والسنة المتضلعين في معرفة منهجية الشافعي في الاستدلال
ولهذا وفي مسألتنا هذه
عبر النووي بالأصح وهو دليل على ثبوته عن الأصحاب لا الإمام الشافعي ودليل على قوة مقابله …
لكن وجدت ابن المنذر ينقل عن الشافعي وعن الأئمة الأربعة القول بالتعميم للرؤية في كتابه الإشراف
ونقله عنه النووي في المجموع ولم يتعقبه.
وهو مسطور في كتب عياض وغيره
وقد اختلف أصحاب الشافعي على وجهين
فمنهم من عمم ومنهم من لم يعمم والذين لم يعمموا لهم ستة أقوال في تحديد البعد والقرب ذكرها النووي في المجموع
والحنفية على التعميم إلا إن فحش البعد
والظاهرية كذلك
والحاصل أن هذه الاختلاف قائم على تنزيل دلالة العموم لا على دلالة العموم
لأن دلالة العموم بينة صريحة في نصوص متواترة.( صوموا لرؤيته ) فلا خلاف فيها
إنما الخلاف في تنزيلها.
وكان القول بأن لكل بلد رؤيتهم في زمن الأئمة له وجه لأن حديث (صوموا لرؤيته )
يصدق على بلدان متقاربة يصلهم الخبر في زمن يمكن معه البناء عليه فيجب القول بتعميم الرؤية
وكذلك يصدق على بلدان كالمدينة والشام يتعذر بينها بلوغ الخبر زمنهم فيصدق عليهم تنزيل عموم (صوموا لرؤيته )
فيلزم أهل المدينة أن يروا وأهل الشام أن يروا
لتعذر وصول الخبر من الشام إلى المدينة هذا هو مستطاعهم التنزيلي .
ولا تكليف عليهم سواه وهو ما ذهب إليه ابن عباس وأصاب..
أما إن كان متقاربا فإنها رؤية واحدة لا زمة للكل
لذلك أفطر رسول الله وأصحابه لما جاءهم ركب آخر النهار يخبرهم أنهم رؤا الهلال
والركب آخر النهار يدل على مسيرة يوم فهذا يدل على أنه لا اختلاف فيه تعميما .
أما في عصرنا فإن العموم اللفظي التقى مع التنزيل العام بلا تخالف
فالعموم الواضح صريح لسائر الأمة دلالة في حديث (صوموا لرؤيته )
أما التنزيل فإن العالم الإسلامي يجمعه ليل واحد من ماليزيا إلى موريتانيا
فمن رأى الهلال في شرق الأرض لزم غربها وعكسه.
فالرأي الذي لا مناص عنه في عصرنا هو لزوم العموم وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد وقول الشافعي المنقول عند ابن المنذر
أما في كتبه فلم أجد له كلاما
وإنما اجتهد أصحابه .
فمن نسب إلى الشافعي القول باختلاف المطالع فلم يصب.
وهو قول الظاهرية
وأما قول ابن عباس (هكذا أمرنا رسول الله )
فهو محتمل أن هناك حديثا بلفظ :إن لكل بلد رؤيتهم
ويحتمل أن يقصد ابن عباس حديثه المروي عنه في الموطأ : عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله صَلى الله عَليه وسَلم ذكر رمضان، فقال:
«لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدد ثلاثين»
وهو نص متواتر عن الصحابة.
وهذا الأخير هو الصحيح لأنه لم يثبت عن رسول الله حرف في أن المدينة لها رؤية غير الشام .
فهو اجتهاد تنزيلي من ابن عباس وهو صحيح
لأن أهل المدينة غاية ما يستطيعونه هذا
وأما اليوم فالقول باختلاف المطالع من الدحس المذهبي والمعاندة الجامدة والمماحكة السياسية قصيرة النظر سيئة السمعة .
والفقهاء كالمتفقين أن الإمام العام لو أمرهم برؤية واحدة لزمهم .
كم صرح بذلك ابن الماجشون وغيره
وما ذلك إلا أنه وافق عموم التكليف المتواتر في (صوموا لرؤيته)
وينتهي هنا قول من قال بأثر كريب عن ابن عباس الواضح الاحتمال
لأنه سيعود إلى الوفاق بتأويل أن قوله (هكذا أمرنا رسول الله أي : صوموا لرؤيته ).
والقول باختلاف المطالع بين قرية واحدة تفصل بينهما الأسلاك الشائكة الحدودية
قول مشين خارج عن كل دليل من الكتاب والسنة.
أما سياسيا فليس المقصود اليوم في دولنا من الإنفرادات العمل بأحد وجهي الشافعية ولا أحد قولي مالك .
ولا هم يحزنون
إنما باعثه نفخة الاستقلال لا إثبات الهلال
فالمسألة دولية لا دليلية
و لا عذر لأحد في التعلق بوجه مذهبي في عصرنا وقد بني هذا الوجه على اجتهادات زمانية صحيحة في عصرها وهي مجانبه له في هذا العصر.
وبالله التوفيق
#فضل_مراد
أمين لجنة الاجتهاد والفتوى بالاتحاد العالمي
أستاذ الفقه والقضايا المعاصرة ج قطر
مراجع البحث
«الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» (3/ 273 ت الفقي): «تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن» (2/ 296): «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع» (2/ 83): «المغني» لابن قدامة (4/ 328 ت التركي): «الحاوي الكبير» (3/ 409): «نهاية المطلب في دراية المذهب» (4/ 17): «المجموع شرح المهذب» (6/ 273):
«:»«العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية» (3/ 179):
«روضة المستبين في شرح كتاب التلقين» (1/ 513):
«مواهب الجليل في شرح مختصر خليل» (2/ 384):
«الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر» (3/ 112):
