بيان جواز العلاج الهرموني، والمداواة بالنجس والمتنجس، ومواد الخنزير، تحريرًا وتحقيقا وتقصدياً
أ.د فضل مراد
بيان جواز العلاج الهرموني، والمداواة بالنجس والمتنجس، ومواد الخنزير، تحريرًا وتحقيقا وتقصدياً.
انتشرت فتوىٰ حرمة استعمال كلية الخنزير وزراعتها للإنسان لمضطر إلى ذلك كما ظهر اليوم زراعة قلب الخنزير
ولبيان هذا أذكر مبحثاً هاماً من كتابناً
“موسوعة معالم الاجتهاد في فقه العصر”
الذي نعمل على إكماله إن شاء الله
فصلنا فيه القول وحررناه.
وأخذ منه هنا ما يحتاج إليه الناظر
فأقول:-
العلاج الهرموني كما يفيده كلام الأطباء الخبراء: “عبارة عن أدوية تعطىٰ للمريض؛ لحث الخصية أو المبيض على الإنتاج الطبيعي، وبهذا تعود الأمور إلى طبيعتها،
والأصل فيها الإباحة لعموم:” خلق لكم ما في الأرض جميعا”، ولأنّ من ادّعىٰ الحرمة لزمه الدليل ولا دليل على المنع،
ولأن الحلال بيّن والحرام بيّن وليس هذا من الحرام الذي بينه الله وهو القائل “وقد فصل لكم ما حرم عليكم” ومن أنواع الهرمونات ما يؤخذ من بول الحوامل، قال أهل الطب وليست من مكوّنات البول، بل مواد مخالطة تنتج من الحامل، وعلى هذا فهي في العرف الفقهي من المتنجس لا النجس، والأصل أن كل ما خالط البول فهو منه إلا ما كان عيناً بينة كالحصى أمّا مثل هذه الهرمونات فهي من البول في أصل النظر الفقهي؛ كونها اختلطت به اختلاطاً ممازجًا لا مجاورًا كالحصى .. واستخلاصها لوحدها لا يخرجها عن كونها من النجس، إلا إن قرر أهل الطب أنها ليست من مكوّنات البول الأصلية، بل العارضة، وتحرير المقام أن نقول: “إن النجاسة لها محلان محل لا حكم لها فيه، ومحل لها فيه حكم”، فالإنسان حامل للنجاسة في باطنه بلا ترتب حكم تكليفي، حتى إذا خرجت منه كان له حكم النجاسة؛ لأنها فارق المحل الذي لا يتعلق به حكم إلى المحل الذي يتعلق به حكم النجاسة وهو ظاهر البدن
وهكذا الدم على القول بنجاسته على ضعف في هذا القول، وهو مفارق للنجاسة من كل وجه فهو حامل لأنواع الغذاء والدواء والمضادات وكرات الدم بأنواعها ومواد معلومة في الطب وهي في محلها طاهرة فإن خرجت من محلها إلى خارج البدن فهل يتجدد لها حكم آخر أم تبقى على هذا الأصل والذي نراه أنها طاهرة كانت داخل البدن أوخارجه ومقابل هذا القول بالنجاسة، فإن عادت إلى محلها كحال المتبرع بالدم فإنها تعود إلى الطاهرات أو المسكوت عنها ولو استخلص من الدم بعض مركباته للعلاج والدواء فإنها طاهرة على ما قلنا من طهارة الدم وطهارة مركباته فهو في صورته التركيبية مجموع من طاهرات وفي صورته الفردية من نفس هذه الطاهرات فما هو الذي نقلها للنجاسة
فهو في محله من البدن تعلقت به المنافع، بل أعظمها وهي الحياة فإن خرج من محله فإن حفظ طبيًا بقي تعلق المنافع والمصالح به حتى لو قيل بنجاسته ولا حجة لهذا القول، بخلاف البول والغائط فإنهما في محلهما في البدن فضله خبيثة، وإنما لم يأخذا حكم النجاسة في محلهما تخفيفاً على الخلق؛ لأن الشرع لا يكلف بما لا يطاق.
وهكذا ما استخلص منه فإنه خبيث كأصله، لذلك فالهرمونات المستخلصة من البول يقال فيها إنها نجسة لممازجتها البول هذا هو الأصل، لكن لما لم تكن من التركيب الأصلي للبول كما يقول الأطباء أشبهت الحصى والرمل فإن أمكن استخلاصها وإعادتها لأصلها المفيد فإن التنجس يزول عنها … فهي متنجسة لا نجسة وبينهما فرق، بخلاف مركبات الغائط والبول الأصلية فهي نجسة لا متنجسة فالكلام عن التداوي بها كلام على حكم التداوي بالنجس وبيانه في الفقه الطبي من هذا الكتاب، لكن المسألة الفقهية هنا هي أن الشيء إن كان له صفة معينة وهي النجاسة مثلاً فهل يجوز الاستفادة منه من جهة لا تتقاطع مع النجاسة، مثل الزيت المتنجس فإن استعماله في المصباح جائز ومدرك هذا أن إضاءة النار به ليست هي محل نجاسته، والاحكام إنما تكون أحكاماً شرعية حين تعلقها بفعل المكلف من تلك الجهة المعينة، فتعلق الحكم الشرعي وهو التحريم بفعل المكلف إنما يكون حين استعمال الزيت المتنجس من الجهة المنهي عنها لكن لما استعمله في الإضاءة كان تعلقه بفعل المكلف الإباحة؛ لأن هذا الاستعمال للمتنجس مباح لهذا أجاز أبو حنيفة بيع الزيت النجس مع البيان ومالك في قول وإن كان القول الأشهر عنه المنع.
إذن فقد يكون للشيء جهتان، ويدل لهذا دبغ الجلد فإنه جزء من الميتة لكن نص الشرع على إباحة استعماله بعد دبغه، وكذلك ما لا تحله الحياة من الحيوان الميت فإن من أجاز استعماله نزع إلى شيء من هذا الفقه، وانظر إلى شعر الخنزير فإن منهم من أجازه كمالك، ونقل شيخ الإسلام عن الحنابلة الجواز فكان في الخنزير نظران نظر إلى لحمه، ونظر إلى شعره وعلة ذلك أنه لا تحله الحياة كما قالوا، والذي يهمنا من هذا أن الشيء قد يكون له جهات في النظر، واتجه أصحابنا الشافعية إلى الجواز عند الضرورة فقد جوزوا استعمال جلد الكلب والخنزير وشعرهما ومقصودهم بالضرورة هنا الحاجة كما يدل عليه كلامهم
جاء في تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (3/ 31)
قضية حرمة استعمال نحو جلد الكلب والخنزير وشعرهما لغير ضرورة حرمة استعمال ما يقال له في العرف الشيتة؛ لأنها من شعر الخنزير نعم إن توقف استعمال الكتان عليها ولم يوجد ما يقوم مقامها فهذا ضرورة مجوزة لاستعمالها ويعفى حينئذ عن ملاقاتها مع نداوته قال م ر ينبغي الجواز إن توقف الاستعمال عليها وأقول ينبغي أن يقيد الجواز بما إذا لم يمكن تجفيف الكتان وعمله عليها جافا فليتأمل سم على المنهج اهـ ع ش.
وهذه النصوص الفقهية والتحريرات تعطينا توسعة فقهية في مسألتنا
وعلى ما تقدم فإن العلاج الهرموني المأخوذ من بول الحوامل يجوز عند الضرورة؛ لأنه متنجس لا نجس؛ ولأنه ليس من مركبات البول، بل ممازج له فإن فصل عنه انتفى عنه حكمه، وإن سلم بقاء التنجس فإن استعمال المتنجس للضرورة جائز، لأن ما تعلق بحفظ النفس مقدم على ما تعلق بالطهارة، لأن الأول في مرتبة الضروريات ووسائله ومكملاته له حكمه في الجملة، وأما الثاني -أعني التحرز من النجاسة- فهي من التحسينات وهي متأخرة عن الضرورات قطعاً لكن إن كان الهرمون يؤخذ من محرم كأن تؤخذ من الخنزير فأرى التفصيل بناء على ما تقدم من النظر فإن الحرمة حكم شرعي وتعلقه بفعل المكلف إنما هو في الأكل
دليله قوله صلى الله عليه وسلم عن الميتة إنما حرم أكلها، ورخص في الانتفاع بجلدها بعد الدبغ مع أن تحريم الميتة في موضع واحد مع الخنزير بل مقدم عليه في الآية {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ } [البقرة: 173]
وقال صلى الله عليه وسلم (إنما حرم أكلها )، فهذا التخصيص والحصر النبوي في الحديث يقال في الخنزير ومعنى أكلها أي على الوجه العادي؛ لأن عمومات الشرع تحمل على العاديات فمن أكلها للتداوي إنقاذا لمهجته فليس أكلا يشمله ذلك العموم التحريمي؛ لأنه من نوع أكل الاضطرار، وعلى هذا الأصل نفتي بجواز حبوب الأنسولين ولو كانت بلعاً؛ لأن عموم التحريم لا يشملها بل يشملها الاستثناء في الآية”فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ”
أما ما سواه من الاستعمالات فهو كجلد الميتة المدبوغ، بل نقل وجه للشافعية بجواز أكل جلد الميتة بعد الدبغ، وقد ذهب قوم من العلماء إلى أن جلد الخنزير يطهر بالدباغ وينتفع به ويباع ويشترى وعلتهم العموم في حديث الدباغ؛ لأنه إنما حرم الأكل أما الانتفاع غير الأكل فلم يحرم فما استخلص من الخنزير من دواء غير مأكول كالإبر فإنه ليس أكلاً، أما إن قلنا إن العلاج اضطرار والحاجة تنزل منزلة الضرورة فإن عموم إلا ما اضطررتم إليه يفيد الإقدام على المحرم المعين لإنقاذ المهجة، وما استخلص من الخنزير من الانسولين هو من هذا الباب؛ لأن مرض السكر متلف للنفس إن لم يعالج
فكان استعماله على هذا الوجه للضرورة
وعلى الوجه السابق؛ لأنه ليس بمأكول وإنما حرم الأكل والهرمونات المستخلصة منه التي تعالج العقم إن لم يوجد غيرها تجوز إن كانت عن طريق الوريد، فإن كانت أقراصا عن طريق الفم شملها عموم النص من تحريم أكل لحم الخنزير لأنه مستخلص من الخنزير فهو منه بلا شك
ولا أقول بجوازه إلا في حالتين الأولى :
حالة إدخاله في عمليات صناعية تحيله وتحلله إلى مادة أخرى فهذا صار عينا جديدة وهي ما تعرف فقهيا بالاستحالة ومذهب الجميع جوازها في الخمر؛ لأن النص ورد فيها وفي جلد الميتة، أما غيرها فقد وقع فيها الخلاف الفقهي
قال ابن قدامة المغني لابن قدامة (1/ 53) فصل: ظاهر المذهب، أنه لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة، إلا الخمرة، إذا انقلبت بنفسها خلا، وما عداه لا يطهر؛ كالنجاسات إذا احترقت وصارت رمادا، والخنزير إذا وقع في الملاحة وصار ملحا، والدخان المترقي من وقود النجاسة، والبخار المتصاعد من الماء النجس إذا اجتمعت منه نداوة على جسم صقيل ثم قطر، فهو نجس. ويتخرج أن تطهر النجاسات كلها بالاستحالة قياسا على الخمرة إذا انقلبت، وجلود الميتة إذا دبغت، والجلالة إذا حبست، والأول ظاهر المذهب. وقد نهى إمامنا – رحمه الله – عن الخبز في تنور شوي فيه خنزير. انتهى كلامه، وما ذكره ابن قدامة وصححه من عموم القول بالاستحالة هو الصحيح وهو ما ذهب له الحنفية والمالكية، وعليه فإن هذا الاستخلاص الهرموني عين جديدة والأحكام تتغير بتغير الأعيان.
الحالة الثانية : الاضطرار إليه وعدم غيره فيجوز والحاجة تنزل منزلة الضرورة كما هو مقرر في أصول الشريعة، فتحصل من هذا أن التداوي بما يكون من الخنزير
جائز من عدة أوجه:
الأول: أن المحرم هو الأكل والتداوي بالأبر ونحوها ليس أكلا وكذلك بوضع دهنها على محل المرض إن تحقق من أنها علاج على أن يزيلها ويطهرها للصلاة إن كان يقدر خروجا من خلاف من قال بالنجاسة، وتحقيق هذا المقام وتفصيله في الفقه الطبي من كتابنا هذا ومقصودنا هنا بيان خاص بالتداوي الهرموني للعقم.
الثاني: أنها ضرورة أو حاجة وهي تنزل منزلة الضرورة و محل الضرورات مستثنى بالنص القرآني (إلا ما اضطررتم إليه ).
الثالث: أنها استحالت إلى عين جديدة ولم تعد العين المحرمة فأخذت حكما جديدا كاستحالة الخمر، ومن خص الاستحالة بالخمر ونحوها ولم يعد الحكم إلى مثله المساوي فقد جافى المعاني والمقصودات والقول إنه رخصة لا تتعدى المحل غير مسلم؛ لأن تسميتها رخصة إنما يكون مع قيام السبب الأصلي المحرم
وهو هنا منعدم فلم تعد الخمر خمرًا حتى يقال إنها حين تخللت جازت رخصة، بل القول بالاستحالة من عين إلى عين أصل شرعي ليس من الرخص فالعلة مناسبة غاية المناسبة فإن الأحكام إنما تعلق بالوصف المعين فإن زال زال الحكم فهذه كلية عامة حاكمة فالقول بأن الاستحالة خاصة بالخمر ضعيف جداً،
وعليه فإن العلاج الهرموني المستخلص من الخنزير لعلاج العقم إن كان قد دخلته الصناعة وصار شيئا آخر مستقلا فقد خرج عن وصف الخنزير وهذه علة التحريم فإن زالت زال الحكم وجاز التداوي به، هذا ما أراه جمعا بين معاني النصوص ومقاصد الشرع والله تعالى أعلم.
وقد أجاز ابن عبد السلام والشافعية والحنفية التداوي بالحرام وكلامهم قائم على اشتراطات صحيحةراجعة إلى ألا يجد طاهرًا وأن يحتاجه أو يضطر إليه .. قال ابن عبد السلام في المقاصد قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 95)
جاز التداوي بالنجاسات إذا لم يجد طاهرا يقوم مقامها، لأن مصلحة العافية والسلامة أكمل من مصلحة اجتناب النجاسة، ولا يجوز التداوي بالخمر على الأصح إلا إذا علم أن الشفاء يحصل بها، ولم يجد دواء غيرها، ومثله قطع السلعة التي يخشى على النفس من بقائها.
وللنووي في المجموع كلام نحو هذا
المجموع شرح المهذب (9/ 50)
(وفي رواية فأمرهم أن يشربوا أبوالها وألبانها) قال أصحابنا وإنما يجوز التداوي بالنجاسة إذا لم يجد طاهرا يقوم مقامها فإن وجده حرمت النجاسات بلا خلاف.
وعليه: يحمل حديث (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم) فهو حرام عند وجود غيره وليس حراما إذا لم يجد غيره.
– قال أصحابنا وإنما يجوز ذلك إذا كان المتداوي عارفاً بالطب يعرف أنه لا يقوم غير هذا مقامه أو أخبره بذلك طبيب مسلم عدل ويكفي طبيب واحد صرح به البغوي وغيره فلو قال الطبيب يتعجل لك به الشفاء وإن تركته تأخر ففي إباحته وجهان حكاهما البغوي ولم يرجح واحدا منهما…
أ.د. فضل مراد
أمين لجنة الاجتهاد والفتوى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
أستاذ الفقه والقضايا المعاصرة بجامعة قطر
