Dr.Fadil

الانتفاع الطبي من الخنزير

البروفيسور عبدالله الزبير عبدالرحمن 

0

رأي فقهي فيما تم من زراعة قلب خنزير في إنسان يوم الثلاثاء الماضي

مع فتح باب النقاش والتداول

 

البروفيسور عبدالله الزبير عبدالرحمن

 

الأمين العام السابق لمجمع الفقه الإسلامي السوداني

ورئيس الهيئة العليا للرقابة الشرعية على البنوك والمؤسسات المالية السوانية .

 

( الانتفاع الطبي من الخنزير )

 

أولاً: النظر الفقهي في مسألة الانتفاع الطبي من الخنزير، من أربع جهات:

الجهة الأولى: النظر المقصدي: لأنّ التداوي مطلب حاجيّ، ولكنه حاجيّ بالجزء ضروري بالكلّ، لأنّ المرض بريد الموت، والغالب في ترك المعالجة والتداوي بالكلية التعطّل أو الوفاة، فغالب التداوي من الحاجات التي تنزّل منزلة الضرورات، ولذلك كان المسلك الفقهي في باب التداوي التوسعة، فأجاز عامة الفقهاء تداوي الرجال بالحرير المحرّم عليهم في الحكة [ بتقديم الحاء]، والتداوي بلبن الإتان المحرّم في الكُحة [ بتأخير الحاء]، واليوم الإجماع العملي السكوتي بالتداوي بالأنسولين المستخلص من كبد الخنزير لعلاج السكري. وهذا كله تنزيل حاجيّ، ومن باب أَوْلـَى إنْ كان العلاج في الضروريّ البيّن، كزراعة قلب، أو زراعة كُلية، فالفتيا في ذلك الجواز إنْ لم تكن الوجوب، ما دام الحال هو الاضطرار.

والجهة الثانية: النظر التعليلي: لأنّ الشرع لم يبح التداوي بالمحرم، ونهى عن الدواء الخبيث، ولم يجعل شفاء الأمة فيما حرمه عليهم [ وفي كلٍّ خبرٌ ضعيف إلاّ الأخير، كما خصص الراوي “أبو هريرة” الدواء الخبيث بالسُّمّ]، والخنزير رجس خبيث محرّم في الشرع، وهو حامل الخبيثات ومستنقع النجسات والقاذروات ومستودع الفيروسات والبكتريات، ثم النفع بشيء منه مشكوك فيه، ولولا ذاك لما كان قتله من أمهات مقاصد نزول عيسى عليه السلام، وهو مذهب مالك ابتداءً، ومعنى قتله: تحريم اقتنائه وبيعه وإهدائه وفيه دليل على أنه غير نافع لأن النافع يزاد ولا يباد.

ولكن! هل هذا على الإطلاق أم على الجملة؟. إذ لو ثبت بالفعل نفع جزء منه أو عضو منه في مداواة إنسان أو حفظ مال إنسان أو نحو ذلك؛ فهل ينتقل الحكم من المنع إلى الجواز؟ لأنّ الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً؟. وقد ثبت نفع شعر الخنزير في مداواة الدّبر، وثبت نفع دهن الخنزير في حفظ المائعات من المآكل، ونفع أنفحة الخنزير في صنع الأجبان، ونفع مستخلص كبد الخنزير في علاج السكري (الأنسولين)، ونفع الهيبارين المستخلصة من أمعاء الخنزير في أدوية الجلطات، ونفع دهن شحوم الخنزير في علاج البواسير وفي إنبات الشعر، ونفع عظم الخنزير في بناء عظم الإنسان إذا انكسر، وثبت اليوم نفع كلية الخنزير في جنب الإنسان، وقلب الخنزير في صدر الإنسان.

وعليه: ينظر في المسألة بالتفريق بين ما هو من باب الأكل والشرب، فيمنع من كل ما يدخل في المأكول والمشروب من الأدوية من أجزاء الخنزير، وبين ما ليس من المأكول والمشروب من التداوي، كالإدهان، والإحقان ، والإبدال (الزرع)، ونحو ذلك مما ليس بأكل ولا شرب، فيباح ما ثبت نفعه وجدواه، على أن العلة محصورة في الأكل لا عموم الانتفاع فيما ليس بأكل، ولكن قد يرد على الناظر: هل القلب والكُلية من اللحم؟ وهل التعليل محصور في اللحم في أكله؟.

والجهة الثالثة: النظر المآلي: لأنّ زراعة قلب الخنزير في صدر المسلم، لا شكّ يكسبه بعض صفات هذا القلب، من حبّ القاذروات والنجاسات، واكتساب خلق الدياثة، ولكن هذه المكتسبات الوراثية من الخنزير، أخفّ ضرراً وأهون شراً من الهلاك أو الموت أو التعطّل والعجز عن أداء الواجبات. فاستبقاء المهجة ولو بنوع نقص أو خلل أولى من ضياعها، وحفظ النفس مع ما يشينها أولى ولو بنقائص العقل ومعائب العرض.

أما إنْ كان المزروع معدلاً وراثياً بحيث ينقى من تلك الصفات ويصفى من تلك الشوائب، فتنقلب العين أو يستحيل فيكون كقلب الآدمي؛ فهنا تحققت قاعدة الاستحالة وانقلاب العين ويزول الإشكال في التداوي به والانتفاع الكامل من غير تردد. ويدخل التردد بدرجة التغيّر والانقلاب، فإنْ كانت الاستحالة كاملة فالإباحة، وإنْ كان التغيّر أغلبية فيقع الخلاف بحسب التقدير بين الناظرين. فاعتبار ما يؤول إليه المزروع في جسم المسلم نظر فقهي مطلوب يجب استصحابه في البحث. ولعل القزويني أشار في عجائب الحيوان أنّ عظم الخنزير يلتئم سريعاً إذا أوصل بعظم إنسان ويستقيم من غير اعوجاج، وأنّ هذه الخاصية لا توجد في غير الخنزير. كما أنّ كثيراً من أهل المعرفة والخبراء ذهبوا إلى أن أعضاء الخنزير أشبه بالإنسان وأقرب إليه، مما يؤيّد إمكان الالتئام والانسجام والتحوّل.

فإن ثبت هذا وتأكد وتقرر عند أهل المعرفة؛ فهذا سيحقق مصالح عظيمة ومنافع جليلة، إذ بذلك ينصرف الأطباء من التطلع إلى أعضاء البشر والمافيات عن تجارة البشر وتصبح الأعضاء البديلة متاحة دون عناء كبير ويزداد حفظ الإنسان بزراعة الأعضاء من غير الإنسان وتقلّ الكلفة، وهكذا..

والجهة الرابعة: النظر الترجيحي: ويُحتاج إليه في النظر الفقهي، لأنه قد يرد الاختيار بين قلب آدميّ وقلب خنزير؛ فالترجيح لقلب الخنزير، لأنّ القلب أصلاً لا يؤخذ إلا في حال حياة صاحبه إنساناً كان أو حيواناً، بما يسميّه بعضهم بالموت الدماغي في الإنسان، وموت الدماغ في التحقيق مرحلة مَرَضِيَّة وليس موتاً حقيقياً، ” ويكفي اختلاف أهل المعرفة فيه” ، ومعروف عند الأطباء أن قلب الميت لا يصلح للزراعة، ولا شكّ أن أخذ قلب خنزير حيّ جائز ولو أدّى إلى قتله، وأخذ قلب إنسان حيّ لا يجوز بحال.

ولو افترضنا إمكان أخذ قلب الآدمي بعد وفاته بشروطه؛ فإنه يكون أمام المتداوي أو المداوي أكثر من بديل، فيجد قلب آدمي وقلب خنزير، كلية آدمي وكلية خنزير، فعندئذ يترتب القرار بالآتي:

أ ـ عند تساوي الجدوى وقدرة الحصول، فلا يجوز زرع قلب الخنزير..

ب ـ عند العجز عن الحصول على قلب الآدمي لبهاظة التكاليف؛ مع القدرة على تحصيل الآخر، فقلب الخنزير ..

ج ـ عند غلبة النفع والجدوى في قلب الخنزير يقدّم، وهكذا. ومن الفقه الجميل سئل الثوري عن المحرم يضطر فيجد الميتة ولحم الخنزير ولحمد الصيد، أيّه يأكل؟ فقال: (يأكل الخنزير والميتة ) [مصنف عبد الرزاق 8335] قلت: لأن الرخصة للمضطر منصوصة في الخنزير والميتة ولا نصّ في لحم الصيد، وكذلك يكون الأولى في كل حال، قلب الخنزير لأنّ أكل لحمه مرخصّ للمضطر نصاً وما دونه أولى بالترخص.

فهذه أربع جهات ينظر منها الفقيه في بحثه عن الانتفاع الطبي من الخنزير..

ثانياً: كل هذا الذي ذكرته لا يعني أن يبادر الأفراد في القطع بحكم المسألة لا سيما في القضايا الكبرى كزرع القلب أو الكُلية أو الأعضاء من الخنزير، بل يجب إعانة الأفراد المجامع الفقهية والهيئات العلمائية التي تنظر جماعياً وتتداول وتبحث حتى تصل إلى رأي جمعي يطمئن إليه المرضى والأطباء. ولا ينبغي لطبيب أن يعتمد على رأي فقيهٍ أو فقيهين في مثل هذه القضايا، بل يدفع باستفتائه إلى المجامع والهيئات. وطبعاً لا يتعارض هذا مع إبداء الرأي وإثارة الفقه في مجالس التناقش والتباحث تمهيداً وتوطئة، والقرار يأتي من المجامع.

 

أخوكم/ عبد الله الزبير عبد الرحمن

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.