هل تقرأ القرآن في رمضان أم تتدبر؟ ومقاماتك الأربعة مع القرآن
أ.د فضل مراد
هل تقرأ القرآن في رمضان أم تتدبر ؟
ومقاماتك الأربعة مع القرآن …..
نرى هذه الأيام من يزهد الناس في تلاوة القرآن والإكثار من ختماته باسم التدبر
وانتشر هذا على مواقع التواصل من غير أهل العلم وقد يكون بحسن نية.
وهذا غير صواب لأن التدبر مقام لا يقضي على بقية المقامات مع القرآن
والتلاوة مقصودة لعموم أهل الإسلام بل هي ربع مقصود البعثة فهي مقام مستقل
وهي في رمضان أشد طلبا
قال تعالى «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ»
وللقرآن أربعة مقامات في رمضان
1_ المقام الأول: مقام التلاوة والاكثار منها في رمضان وهذا ما ركز عليه السلف والخلف
من هذه الأمة
فقد كانوا يتلون القرآن في شهر رمضان، في الصلاة وغيرها،
كان الأسود يقرأ في كل ليلتين في رمضان.
وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة وفي بقية الشهر في ثلاث.
وكان قتادة يختم في كل سبع دائمًا وفي رمضان في كل ثلاث وفي العشر الأواخر كل ليلة.
وكان للشافعي في رمضان ختمة بالليل وختمة بالنهار
وعن أبي حنيفة نحوه.
فالحاصل أن الاكثار من قراءة القرآن أمر مقصود
فيقرأ في ثلاث ليال وأكثر وأقل في رمضان.
قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف.
قال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري: إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن.
2_ المقام الثاني مقام المدارسة
وهذا دل عليه مدارسة جبريل كل رمضان مع النبي صلى الله عليه وسلم
« عن ابن عباس، قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة}.
وفي حديث ابن عباس من الفوائد والمسائل.
– أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس؛ لأنه جعله أجود من الريح المرسلة ولا يكون أجود من الريح المرسلة إلا من لا يساويه في الجود أحد.
– وفيه دليل على زيادة العمل الصالح في الأوقات المباركة كرمضان، فقد زاد عليه الصلاة والسلام من الجود، والعمل الصالح.
– وفيه أن الجود في رمضان له فضل على غيره لذلك زاد فيه صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر، وإخراج الزكاة فيه داخل في هذا الفضل.
– وفيه أن الجود من الصفات العلية؛ لذلك كان الجود من خلقه صلى الله عليه وسلم.
– وفيه مشروعية الصدقة حين مدارسة القرآن، وملاقاة الصالحين، والجود بأنواع الجود؛ لذلك كان أجود ما يكون حين يلقاه جبريل لمدارسة القرآن.
– وفيه مدارسة القرآن في رمضان.
– وفيه عرضه على المتقن.
– وفيه أن مدارسة القرآن غير تلاوته في القيام، فهي سنة مستقلة.
– وفيه مدارسة القرآن جماعة.
– وفيه أن الليل أولى لمدارسة القرآن؛ لما فيه من الخصوصية.
قال ابن رجب: وفي حديث ابن عباس أن المدارسة بينه وبين جبريل كان ليلًا يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان»
3_ المقام الثالث: مقام الصلاة به
وهذا مستفيض من فعله عليه الصلاة والسلام وفعل أصحابه
وفي كتابنا «فقه الصيام ومستجداته المعاصرة» (ص39): نقلنا ما ثبت عنهم في ذلك فمنه
ما في الموطأ عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: سمعت أبي يقول: «كنا ننصرف في رمضان، فنستعجل الخدم بالطعام مخافة الفجر»
وكان التابعون يقرأون بالبقرة في ثمان ركعات في التراويح.
ففي الموطأ: حدثني عن مالك، عن داود بن الحصين، أنه سمع الأعرج قال: «وكان القارئ يقرأ سورة البقرة في ثمان ركعات فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف».
قال ابن عبد البر: «والأعرج أدرك جماعة من الصحابة وكبار التابعين وهذا هو العمل بالمدينة»
وقد صح في الموطأ قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة قال: وقد «كان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر»
4_ المقام الرابع: مقام التدبر
وهذا مقصود كذلك ( كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ)
وهذا المقام يمكن أن يجعله الشخص مع تلاوته في قيام الليل وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم القراءة مترسلا في قيامه متعوذا مسبحا سائلا حسب الآيات.
فهذا مقام تلاوة وتدبر.
ويمكن أن يجعل في رمضان للتدبر وقتا معينا ربع ساعة أو عشر دقائق ينظر في معاني الآيات وتفسيرها والتأمل في معانيها.
ويستغرق بقية وقته للتلاوة والاكثار منها في شهر رمضان وهو هدي السلف المستمر
وقد يأتي الشخص الوسواس ليقنعه بأن يترك التلاوة ويتدبر في صفحة فيخرج عليه رمضان ولم يكمل جزءا أو أكثر.
وهذا خطأ فرمضان شهر القرآن وتلاوته
ويخصص لتدبره وقتا خاصا في رمضان وغير رمضان لا يزاحم الورد والتلاوة
أ.د. فضل بن عبد الله مراد
