“ليسجننه حتى حين”
السجن الذي قضي به على يوسف عليه السلام إلى حين كما أخبر الله تعالى كان بعد ظهور آيات البراءة وحجبها “ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين”
قال جماعة من أهل التفسير الحين هنا ثلاثة عشر سنة..
هكذا بكل بساطة يرمى بفرد في السجن من قبل النظام بلا براهين ولا أدلة إلا العنت والظلم والكبر،
إن دلالات سجن يوسف عليه السلام تدل على:
1_ أن السجن وكافة أنواع البلايا هي ثمرة من ثمرات الصراع مع الباطل وأهل الشهوات والنزوات والفساد
قد يتعرض له الرسل والأنبياء ومن سار على منهجهم،
لقد حاول الأعداء أن يحبسوا رسول الله ويقيدوه في عدة خيارات منها القتل
أو التهجير والطرد والنفي “وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”،
لقد هُجِّر لوط “أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون”، ورجم نوح “لتكونن من المرجومين”،
وأحرق إبراهيم.. وهكذا وهكذا هي طريق رسل الله وأتباع الرسالات.
2_ أن هذا السجن الذي تعرض له يوسف سجن تعنتي ظالم وهو في الحقيقة أسر واختطاف وانتهاك ظالم لكل معاني العدل والإنسانية والأخلاق…
، لقد أرادوا من جهة تطويعه وتأديبه لأمور خسيسة.
ومن جهة دفن قضية امرأة الوزير التي راودت يوسف وانتشر هذا الخبر في المدينة بين الطبقات البرجوازية أولا ثم الشعب.
إنها فضيحة يجب أن تدفن وتنسى ….
يجب أن تفبرك وتخرج إخراجا يخرج هؤلاء معه بماء الوجه…
ماذا يقولون للناس؟
الرجل بريء والآيات واضحة !
هل يدعون الناس في تخرصهم و تحليلاتهم في القضية بأنفسهم؟
كلا …
سيبتون في القضية برميه في السجن لمدة غير مسماة (حتى حين)
لإغلاق ملف يمس شرف ومكانة الطبقة الحاكمة …
3_ لقد كان إدخال يوسف السجن لمقاومته دعاة الشهوات بغض النظر عن ماهية ذلك لأن الغرض هو أن من لم يستجب لأهل الأهواء في الترغيب والترهيب حتى ولو كان في أخس الشهوات لا بد أن يهدد…
وإذا كان هذا الرفض لشهوات طبقة المتنفذين فإن الأمر سيتحول إلى انتقام شخصي وثأر وجحيم وإغلال.
لذلك أعلنت قرارها تلك المرأة
“ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين”
يالها من بجاحة …
حينما تصير الدعارة مرسوما قهريا عال من هناك …
من القصر. حيث السلطة والمال والقوة ونعيق الشهوات ..
إن من يقف أمام هذا الوباء ويقاومه لا يعامل كمعارض لأوامر السلطة والنفوذ فحسب ..
بل فعله أشد وأنكى وأبكى …
لقد رمى بكرامتهم وسمعتهم الملكية تحت قدمه ومرغها في الوحل ..
هكذا يزنون هذا الموقف بالذات.
.
لو كان الرفض لعرض سياسي أو منصب أو توجيه لكان عاديا يأخذ مجراه القانوني فقط
لكنه رفض يقتل العرض والسمعة والشرف والمكانة الملكية السامقة.
إذا فقرارها القهري إما الرذيلة أو السجن والصغار والهوان …
هكذا أعلنت القرار أمام نساء الطبقة بلا حياء..
بل بكل فخر وقوة وتأكيد كما يوحي اللفظ.
لقد تعجبت من كمية السفالة والبجاحة في هذا القرار القهري
إذا من قاوم أهل الأهواء خاصة من المتنفذين أهل السلطان من رفض البيع في سوق العبيد والرقيق
من تمسك برضى الله
وقاوم الإغراء والمال
لم يبع الوطن أو الدين …
، من وقف أمام رغباتهم ونزواتهم، من رفض عروضهم السخية ليبيع ويتنازل لا بد أنه قد سلك الطريق الصحيح، طريق أهل الرسالات ولا بد حينئذ أن يتعرض للفحات الابتلاء فليصبر وليحتسب.
إن من باع نفسه لشهوات ونزوات أكابر مجرميها لن يخرج بشيء سوى غضب الله ولعنته ولعنة الناس له
ثم تخلص المجرمين منه حينما تنتهي صلاحيته الوظيفية لأنه يصير عبئا
لكن يوسف لما اختار الفضيلة ورضوان الله
نعم سجن وعذب
لكن الله القادر على كل شيء أخرجه بأمر ملكي ليتولى منصب من سجنه بعينه وشحمه ولحمه
يا الله ما أعدلك …
4_ لماذا اختار يوسف السجن؟!
لقد قال: “رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه”
لقد كانت دعوة النساء هي السقوط في الرغبات الجنسية..
السقوط في هاوية المعصية محل غضب الله وسخطه…
أما السجن وهو الخيار الآخر فليس فيه ما يغضب الله بل غايته أن يبتعد عن أهله وبنيه وماله إذا لا يمكن الموازنة بين الخيارين.
ولا يمكن أن يقال إن السجن ودخوله هو ذريعة لأن يتنازل الإنسان عن مبادئه وأخلاقه، ولا يعتبر هذا إكراها مفضيا إلى تبرير الوهن والسقوط لأن السجن أمر طبيعي جدا لحملة المبادئ والرسالة عبر الأزمان.
5_ لقد دخل يوسف السجن بنفسية الداعية إلى الله ومعنويات عالية مرتبطة بمن استوى على عرضه وعلا فوق خلقه …
لم يربكه السجن ولم تزلزله ظلمته أن ينتهز كل فرصة للدعوة والتعريف بالتوحيد..
لقد انتهز فرصة سؤال سجينين عن تفسير الرؤيا ليبين بجلاء التوحيد ويدعوهم إليه ويبين ما عليه أهل الشرك من الباطل، لقد ظل متماسكا ومتمسكا بخلاف ما يمكن أن يحدث للبعض من انهيار وتنازلات وحالات عصبية وأزمات نفسية.
إن العظماء عظماء في السجن أو خارجه
لذلك قال ابن تيمية حينما سجن في جب القلعة حتى مات لأجل فكره الديني واجتهاده (إن سجنوني فسجني خلوة وإن نفوني فنفيي سياحة)..
تبقى أنوار الإيمان مضيئة في حلك السجون..
ولذة الاتصال بالله مبددة للعزلة والخلوة والخوف والقلق…
فالسجن في الحقيقة هجرة العظماء المحتملة …
لكنه ليس أمنية ولا رغبة بل ابتلاء قد يحصل في مدارج السلوك وشعوب الحياة
لذلك لما خرج يوسف من هذا السجن الظالم قال: ( وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن)
مما يدل أن السجن ليس من الإحسان
ولا هو محل نزهة وفرجة
بل ابتلاء يوجهه العظماء حملة الرسالة بالصبر والتواصل مع الله واليقين بالفرج.
أ.د. فضل بن عبد الله مراد
